فخر الدين الرازي

499

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

حَسَناً اختلف المفسرون فيه على قولين الأول أن هذه الآية متعلقة بما قبلها والمراد منها القرض في الجهاد خاصة ، فندب العاجز عن الجهاد أن ينفق على الفقير القادر على الجهاد ، وأمر القادر على الجهاد أن ينفق على نفسه في طريق الجهاد ، ثم أكد تعالى ذلك بقوله : وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وذلك لأن من علم ذلك كان اعتماده على فضل اللّه تعالى أكثر من اعتماده على ماله وذلك يدعوه إلى إنفاق المال في سبيل اللّه ، والاحتراز عن البخل بذلك الإنفاق . والقول الثاني : أن هذا الكلام مبتدأ لا تعلق له بما قبله ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فمنهم من قال : المراد من هذا القرض إنفاق المال ، ومنهم من قال : إنه غيره ، والقائلون بأنه إنفاق المال لهم ثلاثة أقوال الأول : أن المراد من الآية ما ليس بواجب من الصدقة ، وهو قول الأصم واحتج عليه بوجهين الأول : أنه تعالى سماه بالقرض والقرض لا يكون إلا تبرعا . الحجة الثانية : سبب نزول الآية قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : نزلت الآية في أبي الدحداح قال : يا رسول اللّه إن لي حديقتين فإن تصدقت بإحداهما فهل لي مثلاها في الجنة ؟ قال : نعم ، قال : وأم الدحداح معي ؟ قال : نعم ، قال : والصبية معي ؟ قال : نعم ، فتصدق بأفضل حديقته ، وكانت تسمى الحنينة ، قال : فرجع أبو الدحداح إلى أهله وكانوا في الحديقة التي تصدق بها ، فقام على باب الحديقة ، وذكر ذلك لامرأته فقالت أم الدحداح : بارك اللّه لك فيما اشتريت ، فخرجوا منها وسلموها ، فكان النبي صلى اللّه عليه وسلّم يقول : كم من نخلة رداح ، تدلي عروقها في الجنة لأبي الدحداح . إذا عرفت سبب نزول هذه الآية ظهر أن المراد بهذا القرض ما كان تبرعا لا واجبا . والقول الثاني : أن المراد من هذا القرض الإنفاق الواجب في سبيل اللّه ، واحتج هذا القائل على قوله بأنه تعالى ذكر في آخر الآية : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وذلك كالزجر ، وهو إنما يليق بالواجب . والقول الثالث : وهو الأقرب أنه يدخل فيه كلا القسمين ، كما أنه داخل تحت قوله : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ [ البقرة : 261 ] من قال : المراد من هذا القرض شيء سوى إنفاق المال ، قالوا : روي عن بعض أصحاب ابن مسعود أنه قول الرجل « سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر » قال القاضي : وهذا بعيد ، لأن لفظ الإقراض لا يقع عليه في عرف اللغة ثم قال : ولا يمكن حمل هذا القول على الصحة ، إلا أن نقول : الفقير الذي لا يملك شيئا إذا كان في قلبه أنه لو كان قادرا لأنفق وأعطى فحينئذ تكون تلك النية قائمة مقام الإنفاق ، وقد روي عنه صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من لم يكن عنده ما يتصدق به فليلعن اليهود فإنه له صدقة » . المسألة الثانية : اختلفوا في أن إطلاق لفظ القرض على هذا الإنفاق حقيقة أو مجاز ، قال الزجاج : إنه حقيقة ، وذلك لأن القرض هو كل ما يفعل ليجازى عليه ، تقول العرب : لك عندي قرض حسن وسئ ، والمراد منه الفعل الذي يجازى عليه ، قال أمية بن أبي الصلت : كل امرئ سوف يجزى قرضه حسنا * أو سيئا أو مدينا كالذي دانا ومما يدل على أن القرض ما ذكرناه أن القرض أصله في اللغة القطع ، ومنه القراض ، وانقراض ، وانقرض القوم إذا